زكريا القزويني
293
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
120 النوع الثالث : القلب وهو جسم صنوبري الشكل ، لحمي الجوهر ، له جوف يحوي الدم ، والروح الحيواني ينشأ منه وينصب في الشرايين إلى سائر البدن ، ولحمه قوي لئلا يتناثر من المؤذيات ، وأعلاه غليظ لأنه منبت الشرايين ، وأسفله مستدق ليبعد عن عظام الصدر من جهاته ، وله غلاف يسمى الشغاف ، خلق لوقايته ؛ لأنه منبع الروح الحيواني ولهذا وضع في وسط البدن في موضع حصين مثل نتوء من عظام الصدر والظهر والأضلاع ، وجعل هذا الحصن متجافيا عنه ليفيد الوقاية من غير مماسة ، ولما كان محتاجا إلى الدم أنضجه الكبد ورققه ولطفه وأسخنه ليفيد قوة الحياة جعل في القلب تجويف يرد إليه الدم من الكبد ويستقر فيه حتى يتغذى منه هو ، ويغذي غيره ، ولما كان القلب محتاجا إلى الغذاء كسائر الأعضاء ، وجب أن يرد إليه الغذاء من الكبد ، فخرج من جذبة الكبد عرق عظيم ودخل في تجويف القلب من الجانب الأيمن ليملأ ما يتغذى منه القلب ، والباقي يسري في الشرايين إلى البدن ، ولما كان القلب محتاجا إلى الإحساس بالمؤذي خلق له شعبة دقيقة متصلة بالغشاء الذي على القلب منشؤها من الدماغ لفائدتين : الأولى : للأحساس بالمؤذي بواسطة الغشاء ، والأخرى : أن القلب معدن القوة الحيوانية وهذه القوة تنفعل بالأفعال النفسانية كالغضب والخوف والسرور ، فهذه أفعال أسبابها أمور خارجة عن البدن ، فالحواس تدركها وتؤديها إلى النفس فيصل آثارها إلى القلب فينفعل بالانفعالات التي تبتغي ، فوجب أن يكون بين الدماغ والقلب اتصال ، فجعل الشعبة الواصلة من الدماغ مثبوتة في جميع جرم القلب ، لتتم الفوائد التي ذكرناها ، واللّه أعلم . 121 النوع الرابع : الكبد وهو جسم لحمي ألين من القلب وأرطب ، يحمل روحا طبيعيا ودما غذائيا منه في العروق إلى سائر الأعضاء ، وهو موضوع في الجانب الأيمن تحت الضلوع العالية من ضلوع الخلف ، وشكله هلالي وتقعيره في الجانب الذي يلي المعدة ، وحدبته تلي الحجاب وهو مربوط برباطات تتصل بالغشاء الذي عليه ، وينبت من مقعره قناة تنقسم إلى أقسام منها ما يأتي قعر المعدة وإلى الأمعاء ، وبهذه الفوهات تجذب الغذاء إلى الكبد ، ويصير إلى الكبد ما ينضجه ، وفي جذبة الكبد عروق تسمى الأوردة ، يجري فيها الدم إلى سائر الأعضاء ، وخلق جرم الكبد شبيها بالدم الجامد ليحيل الكيلوس فيه إلى شبه جوهرة .